تمهيد: لا شك أن الإنسان في حاجة إلى التواصل مع الآخر بشكل مستمر بحكم طبيعته الاجتماعية التي تجعله في سعي متواصل نحو ربط علاقات مع الآخرين بغية التعرف عليهم والاستفادة من معارفهم وتجاربهم لتطوير ذاته. فلم يكتف الإنسان بالتواصل مع من حوله من محيطه الذي يتحدث بلسان مشترك، وإنما أظهر فضولا ورغبة فطرية في التعرف على كل ما هو مختلف وشغفا باكتشاف الأسرار الكامنة وراء ذلك الاختلاف عبر التواصل مع الآخرين من غير بني جلدته. كما أن متطلبات الحياة وتطوراتها حتمت على الإنسان التعامل مع أفراد وجماعات من مختلف بقاع العالم. فكانت هذه الحاجة الملحة إلى التواصل موازية لظهور نشاط الترجمة.
حيث تشكل الترجمة عاملا أساسيا في التواصل بين الشعوب، ونقل المعارف والعلوم بين الأمم، وتطوير التجارب الإنسانية على مستوى العالم، ولولا الترجمة لما وصلت علوم الأولين للآخرين، وخاصة في أمم الأزمنة الغابرة التي كانت الترجمة هي وسيلة التواصل الثقافي بينها وبين ما تلاها من أمم، وبذلك يضيف اللاحق للسابق مستجدات العلوم والمعارف الإنسانية، ما يسهم في تقدم البشرية وازدهارها. لا أحد ينكر ما للترجمة من أهمية قصوى في نقل التراث الفكري بين الامم، ومالها من اثر في نمو المعرفة الانسانية عبر التاريخ. والترجمة عملية ذهنية وفكرية ولغوية معقدة تتطلب ابداعا مضاعفا ممن يقوم بها. فالمترجم لابد اولا ان يستوعب النص الذي كتب بلغة اخرى استيعابا يتعدى الشكل والاسلوب الى المضامين والافكار، وهذا امر يتطلب مهارة لغوية وفكرية نافذة، وبالتالي فانه بلا شك ينطوي على ابداع. والمترجم ثانيا لابد ان ينقل النص الى لغة اخرى تختلف في التركيب النحوي، ومجال الدلالات والمعاني، نقلا يضمن فهم النص بكل دلالاته ومعانيه، ويشمل كذلك اطاره الثقافي والتاريخي، وهذا عمل ينطوي على ابداع ايضا. ولذلك لا غرو ان نجد ان المشتغلين بالترجمة المبرزين فيها قلة من المختصين. ولاشك ان الترجمة في العصور الحاضرة مع ازدياد وتيرة التقدم العلمي، وتسارع الاكتشافات والاختراعات اصبحت ضرورة ملحة تحشد الدول النامية من اجلها كل الطاقات، وتوظف في سبيلها كل الامكانات وذلك بهدف اللحاق بالركب العلمي مع الحفاظ على الهوية اللغوية والثقافية، فالترجمة تكفل نقل العلوم والاستفادة منها مع المحافظة على اللغة القومية وتنميتها وعدم استبدالها بلغة وافدة تقضي على الهوية، وتمكن الثقافة الوافدة من اضعاف مضامين الوحدة السياسية.
وقد عني الخلفاء المسلمون بالترجمة وكان أكثرهم نشاطا في هذا الأمر الخليفة العباسي المأمون فجعل من “بيت الحكمة” الذي أنشأه والده هارون الرشيد مركز إشعاع فكري جلب له الكتب من أقصى البقاع، أمر بترجمتها إلى العربية، (وقال بعض المؤرخين إن المأمون كان يدفع ثمن الكتاب المترجم ذهبا) وفي عهده أيضا بدأ كثير من المسلمين في دراسة الكتب التي ترجمت إلى العربية في الطب والفلسفة وعلم الحساب والمنطق والهندسة وعلم النجوم، ويقول أحد المستشرقين إن عصر المأمون كان: (أزهى عصور بني العباس في تاريخ النهضة العلمية في العصر العربي، إذ كان المأمون نفسه من أساطين العلم، يختار أصحابه ورجال الدولة من الصفوة الأفذاذ من الشرق والغرب؟ ذلك إلى جانب المستشارين المفكرين والمترجمين، الذين ملأ بهم بلاطه وزين بهم ملكه كما قيل أيضا أن بلاطه كان يموج بجمهرة عظيمة من رجال العلم والأدب والشعر والأطباء والفلاسفة الذين استدعاهم من جهات متعددة من أنحاء العالم، وشملهم جميعًا بعنايته وعطفه وتشجيعه مهما اختلفت جنسياتهم ودياناتهم)..
وكما استفاد العرب من علوم الغرب في عهد المأمون، فقد استفاد الغرب من العرب إثر انهيار الحكم العربي للأندلس، فلم تقتصر غنائم الفرنجة على ما تركة العرب من ممتلكات وغنائم الحرب، بل كان الأهم هو خزائن الكتب التي تمت ترجمتها بعد ذلك إلى اللغات الأوروبية، فأسهمت في صنع الحضارة الأوروبية المعاصرة.
وبذلك تتضح أهمية الترجمة التي بدأت الدول الحديثة تركز عليها، فأنشات لها المراكز المتخصصة، ووفرت لهذه المراكز كل الإمكانيات لأداء مهماتها التنويرية في نقل العلوم والآداب من اللغات الأخرى من جميع انحاء العالم، كما أسهمت الجامعات في احتضان هذه المراكز وتطويرها مستفيدة في ذلك من كوادرها الأكاديمية المتخصصة، التي آمنت بجدوى الترجمة، وعملت على تحويلها إلى ثقافة عامة بين طلابها وطالباتها، ولم تكتف فقط بالترجمة المهنية، بل حاولت تدريب الطلاب والطالبات على خوض غمار الترجمة، لاكتساب مهارات جديدة تساعدهم على فهم واستيعاب أسرار اللغات الأخرى، وهذا أمر جدير باهتمام الجامعة، ورفع مستوى الطلاب والطالبات، ودعم تحصيلهم العلمي، ما يسهم بعد ذلك في رفع مستوى التعليم الجامعي بصفة عامة، حيث تعتبر الترجمة من أهم أهداف الجامعة، ومن أهم وسائل التعليم فيها، ولن يتحقق ذلك إلا بوجود مركز للترجمة يستغل إمكانيات المتخصصين في الترجمة من أعضاء هيئة التدريس، وفي الوقت نفسه يتيح للطلاب والطالبات ممارسة هذه الوسيلة التعليمية ذات الأفق الواسع في الاطلاع على ثقافة الشعوب ومنجزاتها الحضارية، وللإقبال على هذا الاتجاه المعرفي لا بد من وجود الحوافز المادية والمعنوية للمشتغلين في الترجمة، باعتبارها جهدا مضافا يحقق قيمة مضافة لمسار التعليم الجامعي وتطويره في الاتجاه الصحيح، وما الترجمة سوى إسهام فعال في هذا الاتجاه، وهو إسهام جدير بالعناية والاهتمام.
وادراكا لهذا الدور الرئيس للترجمة فان اليابان تقوم بترجمة مئات الكتب يوميا من اللغات الاخرى الى اللغة اليابانية مما ساهم في ازدهار الصناعة مع الحفاظ على اللغة اليابانية والهوية اليابانية في وقت واحد. واذا كانت اليابان وهي دولة واحدة تؤمن بالترجمة كخيار استراتيجي للمحافظة على وحدة تراثها اللغوي في المقام الاول ان تولى الترجمة أضعاف اضعاف ما توليها اليابان، اي انه من المفترض ان تترجم آلاف الكتب الى العربية يوميا في كل الاقطار العربية.
وبعد هذا السرد، يتبين أن الترجمة أداة لنشر الثقافة ووسيلة للتعرف على أفكار الآخرين الإيجابية منها والسلبية ولمعرفة مكانة الذات مقارنة بالآخر. كما أن هذه المعرفة تفتح المجال للحوار بين الثقافات والتعايش وتلاقح الأفكار، ناهيك عن تمكينها المُتلقي من مواكبة التطور الحاصل عند المجتمع المتقدم. ورغم أهمية الأعمال العلمية المترجمة في هذا السياق.
ومن هذا المنطلق، وما تمليه المصلحة الوطنية، يعتزم قسم اللغة الانجليزية افتتاح تخصص الترجمة في شعبة مستقلة بجانب شعبة اللغة الانجليزية وذلك مواكبة لمتطلبات التنمية الوطنية وتلبية لاحتياجات سوق العمل وتحقيقا لرغبات بعض الطلاب.
الرؤية:
تزويد المجتمع بمتخصصين في مجال الترجمة، والمشاركة في تلبية متطلبات سوق العمل، والاسهام في مد جسور التواصل المعرفي والثقافي بين الشعوب. وتبرز أهمية الترجمة انها من اهم وسائل التواصل في ميادين كثيرة، سياسية، واقتصادية، وتجارية وتعليمية، فيحتاج إليها العاملون في مجالات التمثيل الدبلوماسي، والتجاري، وفي المجال الصحفي؛ و نظراً لصدور بعض الصحف والمجلات والدوريات باللغة الإنجليزية ، ومن هذا المنطلق اصبحت من الضرورة الاهتمام بالترجمة.
الرسالة:
تقديم المعرفة النظرية و التطبيقية في مجالي اللغات والترجمة، وسد حاجة سوق العمل بالمتخصصين في مجالي اللغات والترجمة.
الاهداف:
تهدف الشعبة الى أعداد مترجمين مؤهلين تأهيلاً معرفياً ومهارياً وعلمياً وثقافياً للعمل في حقول الترجمة المختلفة سواء كانت الترجمة التحريرية بأنواعها الصحفية والعلمية والأدبية والقانونية و التجارية أو الترجمة الشفوية بأنواعها البصرية والتعاقبية و الفورية وذلك لسد النقص الحاصل في احتياجات المؤسسات الرسمية ومؤسسات المجتمع المدني والقطاع الخاص من المترجمين.
تنمية مهارات الطلاب و الطالبات في مجال الترجمة، و التدريب على أعمال الترجمة بمختلف أنواعها.
ربط تخصصات القسم باحتياجات سوق العمل و متطلبات التنمية.
تشجيع البحث و التأليف و التحقيق في اللغات و الترجمة.
المشاركة في المؤتمرات الدولية في مجالي اللغات الأوربية و الترجمة و عقد الندوات العلمية المتخصصة.
تقديم الخبرة و المشورة المتخصصة للقطاعين العام و الخاص.
خدمة المجتمع من خلال القيام بأعمال الترجمة التحريرية و الشفوية.
القيام بإعداد برامج اللغات و الترجمة و تصميمها و تنفيذها و مراجعتها حسب الحاجة و وفقاً للوائح الجامعة.
تنفيذ الدورات الموجهة إلى مختلف قطاعات المجتمع، و تلبية حاجة المؤسسات الحكومية للتدريب في مجالات اللغات و الترجمة.
الاتصال المستمر بالمعاهد و الكليات و الهيئات المماثلة في العالم للاستفادة من تجاربها في مجال الاختصاص.